أبي منصور الماتريدي

443

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

كما أحوجهم الاختلاف إلى من يقوم « 1 » بذلك من وجه يعلم صدقه في ذلك ؛ فبعث رسول الله صلى اللّه عليه وسلم نعمة منه عليهم ، إذ بطاعته نجاتهم ، ولا قوة إلا بالله . ويحتمل : اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ أي : وجهوا شكر نعمتي إلىّ ، ولا توجهوها إلى غيرى . فإن كان هذا المراد ، فهم وغيرهم فيه سواء ؛ إذ على كل منعم عليه أن يوجّه شكر نعمه إلى ربه . وكان الأمر بذكر النعمة - والله أعلم - أمرا بعرفانها في القلب أنها منّة ، لا الذكر باللسان ؛ إذ لا سبيل إلى ذكر كل ما أنعم عليه سوى الاعتراف بالعجز عن أداء شكر واحدة منها طول عمره . وقوله تعالى : وَأَوْفُوا بِعَهْدِي . قد ذكرنا فيما تقدم أن عهد الله على وجهين : عهد خلقة : لما جعل في خلقة كلّ أحد دلائل تدل على معرفته وتوحيده ، وأنه لم يخلقه للعبث ، ولا يتركه سدى . وعهد رسالة : على ألسن الرسل ؛ كقوله تعالى : إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي . . . الآية [ المائدة : 12 ] . وكقوله : وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ . . . الآية [ المائدة : 12 ] . وكقوله : وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ . . . الآية [ آل عمران : 187 ] . وقوله تعالى : أُوفِ بِعَهْدِكُمْ . الذي وعدتكم ؛ وهو الجنة ، كقوله : لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ . . . الآية [ المائدة : 12 ] . ويقال : وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أي : أدوا ما فرضت عليكم من فرائض ، ووجّهوا إلىّ شكر نعمتي ، ولا تشكروا غيرى . ويكون أوفوا بعهدي الذي أخذ على النبيّين بقوله : وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ . . . الآية [ آل عمران : 81 ] ، وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ [ آل عمران : 187 ] فيكون عهده تبليغ ما بيّن في كتبهم ؛ من بعث محمد صلى اللّه عليه وسلم والإقرار به ، والنصر له إذا بعث محمد صلى اللّه عليه وسلم . وقوله : وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ . أي : أخشوا سلطاني وقدرتى .

--> ( 1 ) في أ : يقول .